ابراهيم اسماعيل الشهركاني
548
المفيد في شرح أصول الفقه
قدم جانب النهي ، كمن انحصر عنده إنقاذ حيوان محترم من الهلكة بهلاك إنسان . ( تنبيه ) : مما يلحق بهذا الباب ويتفرع : ما لو اضطر إلى ارتكاب فعل محرم لا بسوء اختياره ، ثم اضطر إلى الإتيان بالعبادة على وجه يكون ذلك - فعل المحرم - مصداقا لتلك العبادة ، بمعنى : أنه اضطر إلى الإتيان بالعبادة مجتمعة مع فعل الحرام الذي قد اضطر إليه . ومثاله : المحبوس في مكان مغصوب فيضيق عليه وقت الصلاة ولا يسعه الإتيان بها خارج المكان المغصوب . فهل في هذا الفرض يجب عليه الإتيان بالعبادة وتقع صحيحة ، أو لا ؟ نقول : لا ينبغي الشك في أن عبادته على هذا التقدير تقع صحيحة ، لأنه مع الاضطرار إلى فعل الحرام لا تبقى فعلية للنهي لاشتراط القدرة في التكليف فالأمر لا مزاحم لفعليته ، فيجب عليه أداء الصلاة ، ولا بد أن تقع حينئذ صحيحة . نعم يستثنى من ذلك : ما لو كان الدليل الأمر ودليل النهي متعارضين بأنفسهما من أوّل الأمر ، وقد رجحنا جانب النهي بأحد مرجحات باب التعارض ، فإنه في هذه الصورة لا وجه لوقوع العبادة صحيحة ، لأنّ العبادة لا تقع صحيحة إلا إذا قصد بها امتثال الأمر الفعلي بها - إن كان - أو قصد بها الرجحان الذاتي قربة إلى الله تعالى . والمفروض : إنه هنا لا أمر فعلي لعدم شمول دليله بما هو حجة لمورد الاجتماع ، لأنّ المفروض تقديم جانب النهي . وقيل : إنّ النهي إذا زالت فعليته من جهة الاضطرار لم يبق مانع من التمسك بعموم الأمر . وهذه غفلة ظاهرة فإنّ دليل الأمر بما هو حجة لا يكون شاملا لمورد الاجتماع ؛ لمكان التعارض بين الدليلين وتقديم دليل النهي ، فإذا اضطر المكلف إلى فعل المنهي عنه لا يلزم منه أن يعود دليل الأمر حجة في مورد الاجتماع مرة ثانية . وإنّما يتصور أن يعود الأمر فعليا إذا كان تقديم النهي من باب التزاحم ، فإذا زال التزاحم عاد الأمر فعليا . وأما الرجحان الذاتي ، فإنه بعد فرض التعارض بين الدليلين وتقديم جانب النهي لا يكون الرجحان محرزا في مورد الاجتماع ؛ لأنّ عدم شمول دليل الأمر - بما هو حجة - لمورد الاجتماع يحتمل فيه وجهان : وجود المانع مع بقاء الملاك ، وانتفاء المقتضى وهو الملاك ، فلا يحرز وجود الملاك حتى يصح قصده متقربا به إلى الله تعالى . * * *